خارطة طريق عراقية لاسترداد الأموال العامة من الفاسدين

أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أنه يجري مباحثات مع رئيس الوزراء علي الزيدي لوضع خارطة طريق تهدف إلى استعادة أموال الدولة التي استولى عليها المتورطون في قضايا الفساد، مقابل إمكانية تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات بحق من يبادرون إلى إعادة الأموال، وفق الضوابط الدستورية والقانونية.
وأوضح المجلس، في بيان نشره عبر حسابه على منصة “فيسبوك”، أن المحاكم المختصة بقضايا مكافحة الفساد تعمل على مسارين متوازيين: الأول محاسبة مرتكبي جرائم الفساد المالي والإداري، والثاني ضمان استرداد الأموال العامة، مشيرًا إلى أن تحقيق الهدفين قد يتطلب اعتماد آليات قانونية تسمح بتخفيف العقوبات في حال إعادة الأموال.
وأشار المجلس إلى أن هذا التوجه بدأ تطبيقه في ملف ما يعرف بقضية “الأمانات الضريبية”، التي تتعلق بأموال كانت تودعها الشركات الأجنبية العاملة في العراق لدى الهيئة العامة للضرائب بنسبة 5% من قيمة المشاريع كضمان لإنجاز الأعمال، على أن تستردها الشركات بعد انتهاء مشاريعها خلال مدة تصل إلى خمس سنوات.
وبحسب البيان، تورطت شركات تعقيب، من بينها شركتا “القانت” و”المبدعون” العائدتان إلى المدان نور زهير، في إجراءات غير قانونية لاسترداد تلك الأمانات، ما أدى إلى فتح ملفات قضائية بحق أصحاب الشركات وعدد من الموظفين الذين ساعدوا في عمليات السحب المخالفة للأصول.
وأوضح مجلس القضاء أنه تم الاتفاق سابقًا بين رئيس مجلس القضاء ورئيس الوزراء السابق، وبعد موافقة قاضي التحقيق المختص، على إطلاق سراح نور زهير بكفالة ضامنة، مقابل إعادة الأموال المسحوبة على دفعات، مع إمكانية تخفيف العقوبة لاحقًا وفق الإجراءات القانونية.
وأضاف أن المدان أعاد مبلغ 365 مليار دينار عراقي من أصل نحو 1.618 تريليون دينار مترتب بذمته عن الشركتين، وهو جزء من إجمالي الأموال المسحوبة من مصرف الرافدين عبر شركات السحب المختلفة، والتي بلغت نحو 3.831 تريليون دينار.
وأشار البيان إلى أن نور زهير غادر العراق لاحقًا، ما أدى إلى توقف عملية التسديد، قبل أن تتم إحالته إلى محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، التي أصدرت بحقه حكمًا غيابيًا بالسجن لمدة عشر سنوات، مع فتح إجراءات استرداده عبر الجهات المختصة ومخاطبة الشرطة العربية والدولية.
وبعد تعديل قانون العفو، تقدم محامي المدان بطلب لشمول موكله بأحكام القانون مقابل استكمال تسديد المبالغ المتبقية، إلا أن المحكمة ما زالت تنتظر رأي وزارة المالية باعتبارها الجهة المتضررة، لتحديد آلية التسديد المطلوبة، وفق ما ذكره المجلس.
أحكام بحق موظفين ومسؤولين
وأكد مجلس القضاء الأعلى صدور أحكام حضورية بالسجن بحق 12 موظفًا في الهيئة العامة للضرائب، على خلفية مساعدتهم في تمرير عمليات سحب الأموال بطرق مخالفة، مشيرًا إلى أنهم يقضون حاليًا مدد الأحكام الصادرة بحقهم.
وأوضح أن هؤلاء قد يكونون مشمولين بتعديلات قانون العفو بعد تسديد التعويضات التي تحددها وزارة المالية.
كما أشار إلى صدور أحكام غيابية بحق مدير مكتب رئيس الوزراء السابق وعدد من المستشارين، إضافة إلى إصدار مذكرات قبض بحق متهمين آخرين، مؤكدًا إمكانية شمولهم بالقانون ذاته في حال تسديد الأموال المترتبة بذمتهم.
وأضاف البيان أن عددًا من غير الموظفين صدرت بحقهم أحكام حضورية بالسجن، بعد اتهامهم باستغلال علاقاتهم مع مسؤولين سابقين لتسهيل عمليات سحب الأموال، لافتًا إلى مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.
وأكد المجلس أن التحقيقات شملت رئيس الوزراء الذي وقعت خلال فترة حكومته هذه القضية، موضحًا أن التحقيق معه أُغلق لعدم كفاية الأدلة.
ملفات فساد أخرى
وأوضح مجلس القضاء أن السلطات صادرت عقارات وأموالًا منقولة داخل العراق وخارجه، بما في ذلك ممتلكات في دولة الكويت تعود لبعض المحكومين الموجودين حاليًا في السجن.
وفي ما يتعلق بقضية شركة مصافي الشمال والمتهم عدنان الجميلي وعدد من أعضاء مجلس النواب، أكد المجلس أن الإجراءات ستخضع للآلية ذاتها، بحيث يمكن الاستفادة من تعديلات قانون العفو في حال كانت الجرائم قد ارتكبت قبل نفاذ القانون، بشرط تسديد الأموال المستحقة للجهات المتضررة.
أما الجرائم التي ارتكبت بعد دخول القانون المعدل حيز التنفيذ، فأوضح المجلس أنها ستعامل وفق إجراءات مختلفة باعتبارها غير مشمولة بأحكام العفو.
ويأتي تحرك القضاء العراقي في إطار مساعٍ رسمية لاستعادة الأموال العامة وملاحقة المتورطين في ملفات الفساد الكبرى، مع اعتماد مقاربة تجمع بين العقاب القانوني وتشجيع إعادة الأموال المنهوبة.




